جدتي عيده.. أحبها رغم كثرة لقصها..

August 16, 2007 17 تعليق »

alhadab.jpg
فؤاد أحمد فرحة فرحان مقبول مسفر آل فرحان الغامدي. ذلك إسمي. فيه الكثير من “الفرحة”. لا أستطيع أن أقول بأن ذلك بعيد كثيراً عن الواقع. ولدت في مدينة الطائف في العاشر من يوليو 1975. ترتيبي هو الثامن بين عشرة من الأولاد والبنات.
جدي فرحة توفي عن عمر يناهز المائة والخمس وعشرون. عاش عمراً طويلاً وتزوج تسعة مرات. كان يحب النساء كثيراً ولم يكونوا يحبونه بنفس القدر كما علمت مؤخراً. في أواخر عمره، أذكر أنه كان يصحوا بمعدل كل ساعة في الليل ليتوضأ ويصلي ركعتين في جوف الليل ثم يعود للنوم. كان يستغفر الله كثيراً. كنا نشاهده يفعل ذلك عندما نسهر في حوش منزلنا في الطائف. كان أمياً، فلا يقرأ ولا يكتب. ذكرياتي معه ليس فيها الكثير من الحنان. كان لديه عصا يتوكأ عليها ويستخدمها لمآرب أخرى. أهما كان مطاردتنا وضربنا بها عندما ترتفع أصواتنا ونحن نلعب كرة القدم في فناء منزلنا في قريتنا الحدب، بني كبير، الباحة. لازلت أتذكر تلك اللحظات الجميلة عندما أمسك بيده ونحن في طريقنا للمسجد لأداء الصلوات. كانت يده اليمنى على العكاز واليسرى في يدي. لم يكن يتحدث معي كثيراً. لم يكن على لسانه سوى الذكر. محظوظون أولئك الكبار في السن عندما يكونون في وضع مثل وضعه من القرب من الله.
آخر زوجات جدي هي جدتي عيده. كان والدي يحبها كثيراً. تلك الجدة في نظري هي أحد الدلائل على وجود أصل لمفهوم “الطيبة” في البشر. جدتي هي دليل عملي على أن الحنان هو شعور يمكن ملامسته في الواقع. لم تنهرني يوماً. ولم تغضب علي يوماً. مشكلتها معي ومع بقية الأطفال أنها كانت تحب “اللقص” كثيراً. واللقص أو “التقبيص” هو : ظغط ظفري الابهام والسبابة على جزء من الجسم لاحداث الالم على من يستحق هذه البقصه او القبصة. لا أعرف عن حقيقة أن القراصنة هم أول من ابتكرها كما تقول السيدة “أم فصول“. جدتي كانت مدمنة لقص. فإذا كان حظك سيئاً وكنت جالساً أو واقفاً منها ونسيت تواجدها بالقرب منك فإنك سترى نتيجة غفلتك هذه واضحة على جلدك بعد أن تتمكن من الإمساك بك وقرصك بعنف. كان تستمتع وتضحك كثيراً عندما نتألم من قرصها لجلدنا. كان “تلقصنا” بسبب وبدون سبب. كان تفعل ذلك في وقت المزح وفي وقت الجد. لا أعتقد أن ذلك يشير لرغبة فيها لتعذيب الآخرين. ولا أعتقد أنها عملت في المباحث يوماً من الأيام. ولكن هي عيده وهي عادة واعتادت عليها. عندما كانت تقول لي: “تعال وسلم علي يانا فداك” فإنني أجري هرباً. أتذكر ضحكاتها وضحكات والدتي عندما أفعل ذلك. عندما يأتينا بعض الأصدقاء الأطفال مع أمهاتهم فإن أول ما أفعله هو تحذيرهم من لقصات جدتي. كنت أحذرهم من المرور بجانبها أو الإقتراب منها. كان بعضهم يسهو وينسى فيمر بجانبها فأصيح به محذراً إياه، إلا أنه غالباً ما يكون قد فات الوقت. كان يعود جارياً محركاً يده بشكل سريع على مكان اللقصة لمحو ألمها. كان لجدتي أنواع من اللقصات:
- لقصة الإذن: كانت تحيطني بين ذراعيها ثم تمسك بشحمة أذني اليمنى فتفركها ثم تنهي عملها بلقصة لاسعة. إحمرار الإذن كان علامة على جودة اللقصة.
- لقصة الخدود: كانت تمسك بكلا وجنتي بين كفيها ثم تسحب يديها بسرعة. تحول خدودك للون الطماطم كان مقياس جودة اللقصة.
- لقصة الرقبة: هي أحد ابتكارات جدتي. كانت تأتي من الخلف ثم تمسك بجلد رقبتي وتشده بسرعة.
- لقصة الساعد: هي لقصة تقليدية وتستخدمها جدتي في الصباح الباكر عادةً كإشارة لبدء يوم جديد من اللقص.
العجيب أنني لا أتذكر أحداً بكى من لقصها. عندما أحضرت لها صغيرتي رغد لأول مرة بعد ولادتها طلبت منها تعهداً علنياً أمام الحضور بأن لا تلقصها. فعلاً لم تباركها بلقصة وكذلك نجت رغد وخطاب لاحقاً.
لازلت أتذكر ذلك اليوم الحزين عندما سمعت جدتي تحكي لسيدة ما عبر الهاتف أن ذلك الشايب “المجنون” طلق جدتي. كان قد طلقها وذهبت لمنزلها. كنا في الطائف وكانوا في القرية. عدنا ذلك الصيف للقرية ولم أجد من يقرصني..
تلك جدتي عيدة. أحبها كثيراً ومقصر في حقها كثيراً. هي من نوع البشر الذي لا يمكنك أن توفيهم حقهم من محبة وصلة. عندما زرتها قبل شهر، ذهبت للقرية وزرت جدتي العجوز في منزلها في القرية الأخرى. وجدتها على كرسي متحرك. كانت آثار الزمن السحيق واضحة على ملامحها. والدتي تقول بأن جدتي قد تجاوزت المائة من السنين بكثير. قلت لجدتي بأنني في وحشة للقصها وطلبت منها لقصي. كررت لها ذلك الطلب خمسة مرات لأنها لم تعد تسمع جيداً.
ضحكت وحاولت لقصي. لم يكن ذلك لقص جدتي الذي أعرفه..
كان ضعيفاً جداً..
استحيت من تكرار الطلب..
أطال الله عمرها وأحسن خاتمتها..
..
هل جدتك مدمنة لقص كذلك؟ حدثنا عنها..

17 تعليق لـ “جدتي عيده.. أحبها رغم كثرة لقصها..”

  1. أبو سعد:

    ذكريات جميلة…

    والأجمل تدوينها…

    والله لا يحرمك من لقصة جدتك :)

    تحياتي؛؛؛

  2. محمد بن سالم:

    الحمدلله جدتي الله يرحمها كانت لا لها ولا عليها..

    بس عندي واحد من اعمامي يحب يمسك اذن اي واحد و يطقها..اذا حاب يطق

    لك اذنك انا مستعد اني اعرفك عليه

  3. اجتماعي:

    انا من مدينة النماص اثنين من اجدادي ماتوا -رحمهم الله- جدي ناصر -والد والدي- انسان لا اتوقع في قريتنا او القرى التي بجوارنا او مدينة النماص كلها مثله.
    حياتة كانت يرعى الغنم يرجع في المساء ياكل وينام رغم ان والدي واعمامي حاولوا فيه لبيع الغنم والراحه الا انه رفض .
    كان جوار البيت مسجد صغير لابناء القرية قبل الفجر وعند عودتة من الرعي يدخل المسجد ويكنسة بمكنسة كهربائية ويرش فيه معطر للجو ويدخل البيت ليستعد لصلاة.
    ماكان عنده مشاكل مع الناس في الاراضي او الحدود او مع الجيران او مع اي انسان مات من مرض لازمه اكثر من خمس سنوات دون ان يدري عنه احد.
    عندما صلينا علية بعد اخراجة من المسجد صلينا علية في الجامع الكبير بمدينة النماص وعندما ذهبنا للقرية صلوا عليه مره اخرى شيبان القرية ومن لم يستطع الخروج.
    ذهبنا لدفنة في مقبرة القرية كان يوم غريب بالنسبة لي فعندما نادى عمي بصوت عالي سامحوة ياجماعة رايت اناس يبكون واناس يقولوا الله يسامحة ماعمره اذى احد ومن هذا القبيل.
    الله يرحمة ويرحم اموات االمسليمن…

  4. سامي الزهراني:

    بالفعل لـ”الديرة” ذكريات و لأجدادنا مواقف في حياة الكثير ، و بركتهم تعم اي مكان كانوا فيه، أطال الله لنا في أعمار أحيائهم و عافاهم و رحم الله موتاهم . الثقافة و التراث الجنوبي رائع و مذهل و أخشى أن يذهب كثير منه برحيل كبار السن، لان توثيق هذا التراث كما تعلم قد لا يفي بالغرض. بعد خمسين سنه من الآن هل ستسمع أحدهم يقول “أنا فداك ” أو ” أنا دفعك ” أو ” سال الوادي و سالت الخلج” ؟ أم ان العولمة لن تبقي لنا شيئا؟
    أتمنى من الله ان يبارك لنا في حياتنا و أعمالنا و يرزقنا.

  5. مضيعه بيتهم:

    كانت تقبصكم ؟؟؟
    انا قريت مرة في كتاب اللى يقبصك يعني حاقد عليك او مقهور منك ..
    اما اللى يعظك (( والعظ وهو ان ياخذ جزء من جلدك ويضعه بين اسنانك ويضغط ع اسنانه بقوووووهـ )) هذا الشخص يحبك !!

    بس جدتك الظاهر انكم مجننيها مسكينة :( وعلى شان كذا تقبصكم
    بس البعض ترى على شان يسكت الشخص يقبصهـ …
    او هذي عادهـ

    بصراحة عجبتني جدتك :)

    ذكرياتك جميلهـ ..

  6. layal:

    الله يخليها لكم ان شاء الله
    جدتي الله يرحمها تحتاج بوست كامل
    عشت معاها لاخر ايام حياته وتعلقت فيها اكثر من امي
    وكنت اجلس اتسامر معاها الي وقت نومها حتي بأيام الدراسه
    وتتضايق ايام امتحاناتي لاني ما اقدر اجالسها
    كانت بحر من الشعر والحكم ومنها عرفت شجره العائله رغم صغر سني بوقتها
    بالنسبه لي اللي ما عاش مع جدته او جده خسران
    لكن تفرص او لقص كما سميته لااااا

  7. زياد:

    الله يطول عمرها على طاعته…

  8. متابع اخر:

    والله ذكرتني بجدتي بس اول مره اسمع كلمه لقص رغم اني سعودي ابا عن جداستفدنا كلمه جديده منطقتكم حلوه مصيف رائع.قلنا اسم المبنى اللي انت حاط صورته.

  9. فؤاد الفرحان:

    محمد بن سالم،
    سلم لي على عمك ويكفيني معرفتك :)

    اجتماعي،
    رحم الله جدك ناصر، فعلاً مؤثر منظر الكبار في السن يبكون رفيقهم..

    سامي،
    اللهم آمين، ذلك التراث سينمحي جزء كبير منه بفعل عدم التوثيق كما ذكرت..

    مضيعه،
    الحمد لله ما وصلت للعظ :)

    ليال،
    رحمها الله، أيامهم كانت فعلاً غير..

    متابع آخر،
    اللقص هي التوصيف الجنوبي أعتقد. المبنى هو صورة أخذتها لقرية ذي عين الأثرية في منطقة الباحه. قوقلها وستجد صور جميله لها.

  10. صفية قريشي:

    لللله أعدتنا وذكّرتنا بروعة الجدّات ما أجمل بساطتهم وإبتسامتهم .. سبحان الله تحس في حديثهم التربية التي أعتادوا عليها في زمنهم ولم يصل إلى زمننا للأسف .

    حفظ الله جدتك عيدة واطال الله في عمرها أحسن خاتمتها ,,

    فعلا ذكريات الجدات حلوة وروعة .. أنا جدتّي لم تلقص لكنّ لها عادة أخرى وهي تحريك أصبعها بثبات وحزم عنما تريد التحدّث إليك وإخبارك عن شئ مهم ..
    وجدتي هذه والدة ابي يعطيها الصحة والعافية وهي جدتي الوحيدة على قيد الحياة ..
    كانت في إحدى الأيام زارتنا وكنت تخاصمت مع أخي الأصغر منّي على شئ أككاد لاأذكره جيدا الآن فأنفجرت على أخي بالخصام وانا أتوقّع أنها لا تسمعني جدتي جيدا فهي كانت بعيدة بعض الشيء عنّي ..

    وكانت المفاجأة أن نادتني بطريقة وبأدب رائع فقلت لها ماذا ؟ ! قالت لماذا تتشاجري مع أخيك فقلت لها بالعكس أنا تخاصمت معه ولم أتشاجر فقالت هذا لم أعهده منك يا بنيتي لا تخاصميه وهوّ أخيك الأصغر سسبحان الله اصبحت هذه العبارة ثابتة في ذهني ..

    سبيحان الله الجدة تبقى إنسانة صافية ورائعة ودائما عندما أتصل على الاهل لا بد وأن أحادثها وهي تزوّدني بنصائحها العطرة وصوتها الذي ازاح الزمن عنه وجعله مبحوحا ..

  11. Shada AL-Ahmadi:

    السلام عليكم

    الله يخليها ليكم ويعطيها الصحة

    أنا جدتي الحمدلله ماتقرصني

    بس كانت دايماً الله يعطيها الصحة

    تغصبني أشرب حليب لمن أبات عندها وأنا طفلة
    وأنا مشكلتي ما أحبوووو لوحدو

    فكنت أقاومها بكل عناد الطفولة وفي الآخر أنا أفوز
    وكانت عالفطور تأكلني كورن فليكس بس بطريقتها الخاصة
    وهي انو تعملو عادي مع الحليب وتجيب الملعقة تحركو الين ما (يتفتفت)
    تخيلو :)
    يصير زي السيريلاك ( بس جنان طعمو الين دحين أشتهي دي الطريقة)
    ياعيني عليها

    ولمن نكون طفشانين تغنيلنا
    ولمن نعمل شقاوة أو نرفض ننام تهددنا
    وتنادي شخصية غريبة وهي ( العافية والسلامة)
    بتقول ياعافية ويا سلامة تعالي أطلعيلهم
    او يااااااارب ترسلهم العافية والسلامة
    واحنا فاهمين انو شي يخوف فنحترم نفسنا وهاتك نووووم او نبطل شقاوة

    الله يطول في أعمار جداتنا ويمدهم بالصحة والسعادة دنيا وآخرة
    الهي لا تحرمني منها

  12. محمد الزهراني:

    الله يجزاك بالخير خرجتنا من عالم الظلم الى عالم اخر

    استاذ فؤاد ارجوا ان تتصل بي ع…حاولت التواصل معك بكل الطرق ولم انجح اضع رقمي هنا كمحاولة اخيرة

  13. simple abady:

    الله ما أجمل ذكريات القرص ( اللي تسميه اللقص)

    لقد عدت الى الوراء ثلاثين سنه

    جدتي كانت تحب القرص

    وخاصة في المنطقه اياها ههههه

    رحم الله جدتي واسكنها فسيح جناته

    لقد كانت رجلا في ثياب امرأه

  14. كرستي:

    اجتماعي
    حزنتني معك الله يرحم جدك واجدادنا اجمعين اللهم آمين

  15. εìíзمن يستطيع ان ينسى فؤاد؟ « °•|مــضــيــعهــ بــيــتــهـمــ|•°:

    [...] السجن ليفتحوا لك ابواب السجن ويعيدوك الى رغد وخطاب ..ويعيدوا لك الفرحة يا [...]

  16. ضمير فؤاد المتكلم « جمود الساهي:

    [...] جدتي عيده.. أحبها رغم كثرة لقصها.. [...]

  17. مدونة أرطبون ,, » أرشيف المدونة » .. جَدة فؤاد :):

    [...] جدتي عيده.. أحبها رغم كثرة لقصها.. [...]