
بكل صراحة ووضوح، أعتقد فعلاً أن القاعدة قد أجرمت في حق وطننا السعودي وبلاد أخرى كثيرة. وأعتقد أن أسامة بن لادن والظواهري يتحملان مسؤولية الدماء التي أريقت بسبب فتاويهم وتنظيرهم. لا يمكن أن أصدق أن أعمال العنف يمكن أن تخرج لنا أوطاناً يعمها السلام والأمان والنمو والإستقرار. لا يمكن أن أصدق أن من يحمل سلاحاً في وطن آمن، يمكن أن يكتفي بالتحاور معي شفهياً في الغد عندما أختلف معه. أعتقد أن الحل “الجهادي” الذي تطرحه القاعدة وأتباعها هو وصفة سريعة لتحويل الأوطان إلى جحيم لا يمكن العيش فيه.
لا ينكر عاقل سوء الأحوال في الوطن العربي. تكفيك نظرة سريعة على تقرير التنمية الإنسانية في الوطن العربي لتصاب بالإحباط تجاه الواقع. ولكن لا يمكن أن أصدق بأن الحل يكمن في حمل البندقية والتحزم بالقنابل. العنف ليس بحل. قناعتي بأنه لو تمكن جنود القاعدة في السعودية -لا سمح الله- من الأمر لأصبحت هذه البلاد في حال أسوأ بمراحل من الحال في العراق أو أي بلد آخر على وجه الكرة الأرضية.
الملاحظ أن الغالبية العظمى من المتورطين في أعمال العنف في السعودية هم من سن الشباب. من وجهة نظري أن هناك عدد من العوامل تدفع الشباب السعودي لتبني خيار العنف:
- وجود خطاب واضح داخل التيار السلفي للأسف الشديد تم بنائه وتغذيته على مر العصور يؤصل لتبني خيار العنف كوسيلة شرعية للحل. لا يمكن أن يقدم الشباب على خيار العنف بدون أن يكونوا قد تشربوا بشرعيته وتأصلت في نفوسهم وأفكارهم.
- وجود مناخ إقليمي يساعد في تأصيل وتقوية شرعية هذا الخطاب.
- وجود قيادات علمية معاصرة برعت وأبدعت في تنزيل ذلك الخطاب وتثبيته على واقعنا المحلي (بن لادن، الظواهري، الفهد، الخضير،..).
- وجود فراغ قاتل لدى الشباب السعودي يمكن أن يساعد في تهيئة المناخ لتبني هذا الخطاب.
هناك خطاب قوي وصريح، وهناك قيادات معاصرة تؤصل له، وهناك واقع يسهل إكساب هذا الخطاب شرعيته. هذه هي الوصفة السحرية للدمار الشامل.
من وجهة نظري أرى أن المسؤولية تقع على عدة جهات، منها:
العلماء والدعاة
صحيح أن الأغلبية العظمى شجبت الإرهاب وأوضحت موقفها منه. ولكن لا أعتقد أن هذا بكاف مادام أن محاولة مراجعة ونقد الخطاب السلفي الذي استمد منه هؤلاء الشباب شرعية أعمالهم تعتبر جريمة لا تغتفر من وجهة نظرهم. هناك حساسية ورعب وتعنت تجاه أي مراجعة جادة للخطاب السلفي. بل هناك إرهاب فكري يقوم به الكثير تجاه أي باحث جاد يحاول القيام بحقه في مراجعة هذا الخطاب. وما حصل للشيخ عبدالعزيز القاسم والدكتور محمد الأحمري وغيرهم أوضح مثال عندما تعرضوا لجوانب من هذا الخطاب. لا يوجد شك بأن لهم كامل الحق بالرد على من يقوم بهذه المراجعات والأبحاث. ولكن من غير المعقول أن يقوموا بحملات تشويه السمعة وهتك العرض والتشنيع والإتهام. هذا شيء غير مقبول وبالذات ممن يتوقع منهم حسن التأدب والخطاب وتقديم الإسلام بالصورة المثلى.
مؤسسات المجتمع
المدرسة، المسجد، الحي، العائلة وغيرها لم تحتوي الشباب بالشكل المطلوب. هناك تقصير واضح في مواكبة العصر وتطلعات وإهتمامات الشباب. هناك خلل كبير في فهم عقليات الشباب والعوامل التي تؤثر على تفكيرهم. مثلاً، لازالت العوائل تتجاهل تغير الأزمان فتحاول تربية أبنائها في بيئات مشابهة للبيئة التي عاشوا فيها ضاربين بعرض الحائط كل العوامل والمؤثرات الحديثة. كذلك المدرسة، فكلنا يعرف حال التعليم لدينا ولن أزيد. أما المساجد فكان بالإمكان الإستفادة منها كمكان يجمع الشباب يومياً بشكل أكبر وأفضل بمراحل مما حصل.
الحكومة
يكفيها تقصيراً عدم قراءتها الصحيحة لأحوال المجتمع السعودي. كل الأمور والدلائل في السابق كانت تشير إلى إحتمالية حصول الأحداث الإرهابية بنسبة كبيرة. ولو قرأت الحكومة تفجيرات التسعينات بشكل صحيح لعرفت أن الإرهاب الذي عشناه السنين الماضية كان جاهزاً للإنفجار في أي لحظة. كان فقط ينتظر مبرر ودافع قوي وذلك كان الحادي عشر من سبتمبر وما قدمه أسامة بن لادن. كان بالإمكان إستباق الأحداث وكسب السباق أمام الإرهاب ولكن هذا لم يحصل.
أعتقد أنه من الجبن تحميل الغرب جرائم الإرهاب التي حصلت في بلادنا. لأن الغرب ليس من مصلحته وجود إرهاب وتفجيرات وعدم إستقرار في أكبر بلد مصدر للنفط العالمي. ليس من مصلحة العالم ككل أن يكون للقاعدة مكان في السعودية. وأعتقد أنه من الجبن كذلك تحميل المناهج المدرسية لوحدها فقط مسؤولية الإرهاب. صحيح أنها مناهج تأخرنا كثيراً في تطويرها ولكننا جميعاً خريجي هذه المدراس ولا نؤمن بالعنف. أما تحميل الحكومية لوحدها مسؤولية أحداث الإرهاب فهو تجني على الحقيقية وهروب من الحقيقة المؤلمة التي تقول بأن ثقافة واضحة داخل الخطاب السلفي كانت البئر التي ارتوى منها الإرهاب توجهه.
ما هو الحل؟
لا أعتقد أن هناك حل سحري للإرهاب. ولكن هناك على الأقل مفتاح رئيسي للحل وهو الصراحة. بدون صراحة تامة من قبل جميع الأطراف لن يمكن مواجهة وتفكيك الإرهاب.
- يجب على العلماء والدعاة والصحوة بشكل خاص أن يشجبوا ويتبرأوا من القاعدة وقياداتها بالأسماء وبشكل علني وصريح وواضح. لقد فعلوها من قبل مع سعد الفقيه بالإسم الصريح، فماذا يضيرهم لو فعلوا نفس الشيء مع أسامة بن لادن والظواهري. يجب عليهم كذلك تهيئة المناخ أمام الباحثين والدارسين لتلمس مواضع الخلل في الخطاب السلفي بحرية، وذلك بعدم مواصلة إرهابهم فكرياً كما نرى وللأسف الشديد.
- ويجب على مؤسسات المجتمع أن تصحوا من غفوتها. يجب على المدرسة القيام بعمل ثوري للتغير من واقعها المزري. ويجب على المسجد تقديم أكثر من “حلقات تحفيظ قرآن”. دور المسجد هو أكبر بكثير مما يقدمه في الواقع حالياً. ويجب على العائلة التعامل مع أبنائها بواقعية وبقرب. أسلوب التربية القديم من حجر وقهر وتقييد للشباب لم يعد يجدي في هذه الأيام.
- يجب على الحكومة الإعتراف بشجاعة بتحمل بعض المسؤولية تجاه ما حصل ووضع خطط واقعية للخروج من هذا المأزق يساهم في رسمها نخب صادقة من المواطنين. يجب على الحكومة سرعة حل مشكلة الآف شباب العنف القابعين في السجون. لا يمكن أن يسجنوا للأبد.
أي محاولة لحل مشكلة الإرهاب لا تكون الصراحة قاعدتها الرئيسية فستكون مجرد محاولة تهدئة للأمور ليس أكثر. يجب أن نعترف جميعاً بتقصيرنا وهذا أقل المطلوب.
إن الصمت تجاه القاعدة وقياداتها هي جريمة لا تغتفر في حق هذا الوطن. إذا كانت الأمور قد هدأت الآن ولله الحمد فهذا لا يدل على أن ملف الإرهاب قد أقفل. فقد ظهر الإرهاب في التسعينات ثم نام. وظهر في السنوات الماضية وهو نائم حالياً نوعاً ما. ولكن ليس هناك أي شخص يمكن أن يضمن عدم صحوته من جديد في أي لحظة مادام لم تتم معالجته بالشكل الواقعي والمطلوب.
إذا كان أغلب شباب الإرهاب القابعين في السجون لم يشاركوا في حروب من قبل وليس لديهم خبرات عسكرية حقيقية، وقد عملوا كل ما عملوا، فماذا سنفعل عندما يعود لنا شبابنا المتواجد الآن في العراق بعدما يكتسب كل الخبرات الميدانية ويتشبع بكل الأفكار المدمرة؟
هل أنا أبالغ أم أن الخطر حقيقي؟
أعرف أن ما كتبته ربما يزعج الكثير، ولكن هذا وطني، هذه مدونتي، وهذه أفكاري، وما كتبته هو قناعتي وما أعتقد أنه الصواب.